الأربعاء، 25 أكتوبر 2017

<<يولد على الفطرة... بقلم المبدعة ياسمين الشام

<<يولد على الفطرة>>
في زاوية مهملة من ذاك الشارع المكتظ بالموظفين والطلبة من كل الألوان والأعمار الحاملين همومهم وأحلامهم وخيباتهم واللاهثين في عجلة الحياة الخاطفة بدوامة سريعة تتالى صورها وتتكرر كل يوم..
اتخذت لنفسها ركناً خاويا تعد فيه ما بقي في حقيبتها من رمق بعد أن خرجت تجر نفسها مع أذيال خيبتها صفر اليدين والقدمين بعد زيارة ذاك الطبيب المعجزة..
وبعد مفاوضات محسومة النتيجة بين آلامها والتزاماتها قررت خوض المعركة وركوب حافلة النقل العام..
استطاعت بأعجوبة بعد وقت عجزت عن إدراكه أن تجد لنفسها مكانا محترماً تنفض فيه عن ملامحها غبار الحزن والألم الباديان بجلاء عليها..
وفي الثواني التي مرت دهراً حتى وصلت مقعدها المنتظر، سمعت أماً تعنف ابنها الصغير جداً وتدفعه بقوة نحو الكرسي قائلة بحزم و غضب إجلس هنا..
لكن الصبي الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره، نظر إليها بابتسامة وقال وهو يعود لجوارها (لا يا ماما خالة طالعة).. ابتلعت غيظها وحنقها عليه وجرّته بقرصة آلمت كل من شاهدها، ثم رمقته بنظرة وعيد لا أظنه سينجو من تبعاتها..
أخرجت العجوز من حقيبتها المهترئة قطعة حلوى وناولتها للطفل ومعها سيل من الحب والحنان والاحترام تفيض به عيناها..
أخذها الطفل فرحاً وقبل أن يتم كلمة الشكر كانت أمه قد صادرتها وهي تتمتم باستياء ضاق به ذرع كل من رآها..
ماهي إلا دقائق وتوقفت الحافلة لتنزل ركاباً وتقل غيرهم والطفل مجدداً يتمسك بمكانه المنخفض قرب الباب، الذي لا يتسع فيه إلا طفل من حجمه، ويرفض الانصياع لأمه في حجز كرسي أكثر راحة يعوضها عن الخمسين ليرة التي دفعتها أجرة له..
وقبل أن يتحرك السائق جاءت صبية يبدو عليها الارتباك والقلق صعدت دون أن تأبه لكلمات السائق أن لم يعد هناك مكان، وقفت لاهثة وهي تقول له لاعليك أنا في عجلة من أمري..
ومرة أخرى ثارت في قلبه الصغير شهامة الرجال وهو يراها تترنح مع كل منعطف، اتجه اليها قائلا (تعالي عدي مكاني أنا ما بدي أعد) ابتسمت الفتاة وسألته إن كان متأكداً، ثم جلست ووضعته في حجرها وهو مزهو بنفسه وفخور، قبل أن تمتد إليه مجدداً اليد الحانية لتمسكه من ياقة قميصه، و تنهال عليه على الملأ بأبشع الألفاظ، فما كان منه إلا أن ابتعد عنها و أدار وجهه مخاصماً حزيناً وفي ملامحه مزيج غضب وخيبة وحنق وبغض، وهو يتوعد بكلمات ما فهمناها..
تساءلت مليا أي رجل سيكون هذا الطفل غدا، أسيبقى صامداً متمسكاً بما في قلبه من صفاء، أم سينصاع بحكم الاقتداء لتعاليم أمه الحنون..
وتذكرت حديث نبينا صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"
تنبهت حينها أنني وصلت وجهتي..
فغادرتهم لأعود لعجلة الحياة المسرعة، التي تتكرر فيها كل الصور يوميا، وما من خلاص..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ذكرى: ==== بقلم الشاعرة =لمياء فرعون=

لمياء فرعون ذكرى: سـافرتُ والذكرى تـلاحقـني طـيـفُ الأحـبـةِ لايـفـارقُـنـي حاولـتُ أن أنسى رؤى حـلُمٍ ٍ قد بـات يـضنيني ويـتـعـبـني قـد كـ...