النَّارُ و الصَّقيعُ
كان يخاف مخاض الليل و أشكاله ، و بدأ ينطفئُ حتى صارت عيناه تحمرُّ لرُؤية رغيف الخبز .
باغثه المرض العصِيُّ بلا رحمة ، و كاد يلقي به إلى الجهة التي لا تشرق فيها الشمس .
انفضَّ النَّاسُ من حوله و لم يبق له سوى شيخين اثنين يتدافعان في عسر شديد من أجل رعايته .
وَالدَانِ أكل الجوع ما تبقى فيهما من لحم و جَهدٍ و نشاط . عَصَرَه الحزن و مَزَّقه و جعله كالخِرقَة البالية التي يَستثمِرُها الشقاء .
نظر إلى مأساته فرآها تَسوَدُّ و تتعاظم ، و تأمل انكساره من شُقَّةٍ في الأمَلِ فرآه بلون جراحه ، و قساوة محيطه و فظاعة تجبُّره ، و نظر إلى الكتلتين الغالتين المباركتين ، فرأى شمسهما تنحسر و بلا لسان تستغيث ، و نظر إلى الكون الأخرس فرآه جحيما يُعْقَبُ بجحيم ، و نظر إلى نفسه المشَقَّقة المتعبة فرأى فيها بقية ضئيلة من حياة ، و كل شيئ من حوله يجري بشكل هائج مضطرب . و إذا هو بعد تردد مُرٍّ يَلُمُّ تصدعه في مشقة بالغة و يقذف بجسمه المتضعضع خارج الكوخ و النار .
أحسَّ بنسمة باردة تسري في جوفه و جوانحه ، فزادته حماسا و انتعاشا . تحامل على أغصانه المنهكة في بسالة و ابتعد عن محيطه القاحل و سعيره ، و إذا هو بعد سقوط و وقوف ، و كثير من الجروح ، بأحد المروج التي يكثر بها العشب و الماء .
زهت نفسه و تهلَّلت و هو يزدرد بعض الحشائش التي كانت أمه تستعين بمثلها على مصائب الجوع و سَطوة السقم ، و لما امتلأ و استقوى ، جمع بعض النباتات المختلفة و عاد بها مسرعا إلى المسكن الخرب الذي ترك فيه جواهره .
دخله على شوقه الملتهب المضني ، اقترب في رفق بالغ من الدرتين النفيستين الملتاعتين ، نظر إليهما في وجوم و شوك البراري يغرز كل جنباته ، تجمَّد بينهما زمنا ثم في نوبة النائحات ، ارتمى على الملكين و استسلم للنحيب .
حسان بوترة
العشبة الذابلة - الجزائر - 11 / 07 / 2018
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق