الدول و الشعوب
إن كون الدول عبارة عن مجموع المواطنين بمن في ذلك الحكام و المحكومين ، فإن هذا يعني أن الدول هي الشعوب وأن الشعوب هي الدول و لا فرق بينهما إلا في الحروف و معنى الكلمتين . فالدول من تداول الأجيال على الوجود و تداول الحكام على السلطة ، و الشعوب من التشعب و التفرع إلى قبائل و انساب و أصول ، و كل الناس من آدم و آدم من تراب .
إن كون الوطن هو ارض الدولة يعني أن الوطن هو أرض الشعب و إن كون العالم هو مجموع الدول يعني كذلك أن العالم هو ملك لجميع الشعوب ، و إن كون العالم ملك لجميع الشعوب يعني أن الكرة الأرضية ملك عام فليست ملكا لأمريكا و ليست ملكا لليهود و ليست ملكا للمسيحيين و ليست ملكا للمسلمين و ليست ملكا للعرب و ليست ملكا للفلسطينيين . و لكنها ملك لمن يخدمها لمصلحة الجميع . قال تبارك و تعالى ( و الأرض يرثها عبادي الصالحون ) .
إن كون الأرض ملك بكل ترابها و ثرواتها و منتجاتها و ما تم بناؤه فوقها ملك لجميع الشعوب هي و قيمتها المالية معا يستوجب أن تكون العملة التي يتعامل بها الناس جميعا واحدة موحدة و ليست متعددة .
إن كون العملة قيمة للأرض و لكل ما يتم الحصول عليه منها و لكل ما تم إنجازه من طرف العباد فوقها ، و إن كون هذه العملة وسيلة لتقاسم الممتلكات و المنتجات على حد سواء بين خدامها و خدام خدامها لا يستدعي وجود عملات يستعمل بعضها على مستويات محلية و أخرى على مستويات عالمية و بعضها مرتفع القيمة و بعضها الآخر منخفض القيمة . إنه لا يحق لأصحاب العملات الصعبة تقسيم ما يجود به الله و ما تجود به الكرة الأرضية من خيرات على أصحاب هذه العملة دون سواهم ، كما لا يحق لأصحاب العملات الثمينة أن يحصلوا على أكثر مما يحصل عليه أصحاب العملات المتدنية القيمة رغم كونهم جميعا خداما لنفس الأرض و متقاسمين لنفس المنتجات التي تجنى منها و لنفس الممتلكات المنجزة فوقها .
إن كون الاقتصاد عبارة عن منتجات و مستهلكات تباع و تشترى حسب قيمتها ، و إن كون القيمة تكمن في نفس الشيء الذي يباع و يشترى فإنه لا داعي لصك العملات النقدية و خلق ما لا حصر له من الأموال . إن كل الأموال التي ليست قيمة لنفس المنتج حسب وزنه أو كيله أو حجمه أو مساحته تعتبر أموالا غير حقيقية . و ليست عبارة عن منتجات . إنه عندما تشتري أمريكا بترولا من السعودية بقيمة تدفعها بالدولار فقط فإن أمريكا لا تعتبر قد دفعت قيمة البترول حتى تشتري السعودية من منتجات أمريكا ما يقابل تلك الدولارات ، إنه لا يمكن أن يكون الدولار عملة عالمية إلا إذا كان هو نفسه عملة أمريكا و عملة السعودية و عملة جميع دول العالم ، و بواسطتها يتم التشغيل و الإنتاج و تقاسم المنتجات ، إنه عندما يصبح الدولار عملة عالمية تصبح الأموال عبارة عن ملك عام و تصبح الأراضي عبارة عن ملك عام و تصبح المنتجات عبارة عن ملك عام ، و يصبح جميع سكان العالم عبارة عن عمال و شركاء في الأرض و الأموال و الأرزاق و إنه بهذا النظام يتساوى الناس كأسنان المشط رغم تفاوتهم في الطول و العرض و الميزان . و حتى يتحقق و يستمر هذا النظام يستحسن عدم صك العملة لمنع كنزها و ليس لمنع امتلاكها ، لكون امتلاكها ضروريا لاستمرار العمل و الإنتاج و البناء و إنجاز و توفير كل متطلبات الحياة الإنسانية العصرية و الحضارية الراقية .
إن هذا النظام يتطلب توفير كل المبالغ المالية الخاصة بالإنتاج و التجارة وهي نفس المبالغ التي تسقم بواسطتها المنتجات و الممتلكات على جميع سكان العالم ، لأن الاقتصاد عبارة عن منتجات و مستهلكات و ليس عبارة عن أموال . إن هذا النظام مستمد من القرآن و ليس مبتدعا و مخلوقا من طرفي ، و حتى نكون من المطيعين لله يجب على الناس جميعا التقيد بالوسطية التي لا تقتير و لا تبذير فيها لأن التقتير بخل و لأن المبذرين إخوة الشياطين أعاذنا الله من شرهم .
ملاحظة : إن المال العام هو المال الذي يستطيع كل فرد استغلاله لغرض الإنتاج أو لخدمة العباد بصفة شخصية و ليس لاستغلال العباد و إنه لا مانع أن يكون على رأس مجموعة عمال من يشرف عليهم . إن العمل مقابل الحصول على الأجر من المال العام يتطلب الإخلاص في العمل والاقتصاد في الاستهلاك و القناعة في الممتلكات . و إنه لا يحق لأي إنسان ممارسة أكثر من عمل واحد و تقاضي أجرتين كما لا يحق له امتلاك أكثر مما هو زائد عن حاجته و استغلاله في الحصول على مداخيل مالية تضاف إلى أجرته لأن ممتلكات الناس في حد ذاتها عبارة عن أملاك خاصة فيما يتعلق باستغلالها و ممتلكات عامة لكونها في خدمة الصالح العام .
باتنة في 16/07/2018
السعيد احمد عشي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق