يوميات موظف ...
مشى حسام بخطوات وئيدة
باتجاه موقف الباص في آخر الشارع ..
يده اليمنى كانت تحمل محفظة فيها أوراقا تخص الوظيفة ..
بينما كانت يسراه تستقر في جيبه
قابضة بشدة على آخر ورقة نقدية من راتبه الذي يحتضر في حضرة متطلبات العيال ..
كان الوقت صباحا
والشارع يعج بالمارة ..
كان يمشي مثبتا نظره في تفاصيل الإسفلت الأملس الذي فقد خاصية الإحتكاك
بفعل زحمة المرور ...
وصل إلى الموقف المكتظ بالركاب ...
حاول قراءة الوجوه
متنقلا بينها كضيف خفيف يحمل زاده معه كي لا يرهق مضيفه بأعباء الضيافة ..
لفت إنتباهه منظر تلك الفتاة التي كانت تلوك (العلكة ) بطريقة غير لائقة ..
فكانت تخرج لسانها لتحدث فيها فجوة ثم تنفخها لتصنع منها كرة وسط ذهول وامتعاض الواقفين .. تخيل للحظة لو كانت زوجته مكانها ..
باللاشعور أفلت قطعة النقود الورقية من يده وهم بصفعها
إلا أنه تدارك حمقه حين اصطدم به أحد الواقفيين فتراجع مكورا قبضته في حنق ضاغطا فكيه بغضب ... انتقل بصره إلى فتاة أخرى اتخذت لنفسها مكانا جانبيا بعيدا عن الزحمة .. تحمل بعض الكتب والدفاتر الأنيقة في يدها .. تبدو عليها ملامح الاتزان .. تنظر كل برهة الى ساعة معصمها الأيسر ..تحولت عيناه الغاضبتان الى كتلتين من الاحترام لتلك الفتاة ... أجرى دماغه مقارنة سريعة بين الانثيين ... فخرت روحه صرعى بين النقيضين ...تنفس الصعداء حين لاح له الباص قادما من مؤخرة الشارع .. بدأ استعداد الواقفين ليهموا بالصعود .. كانت بنت (العلكة ) تزاحم الرجال للصعود وتمضغ علكتها بطريقة استفزازية مظهرة نهاية حلقها ولوزتيها ..
بينما تنحى الواقفون لتلك الفتاة الرزينة لتصعد الباص بأمان ... اتخذ لنفسه مقعدا فرديا ... وتابع قراءة الوجوه ... سرق اهتمامه منظر ذلك الرجل الذي يبتسم الى شاشة جواله ويكتب بسرعة مذهلة .. وتلك المرأة الخمسينية التي تحمل سلة ذات عجلات توضح أنها ذاهبة لملئها من سوق الأربعاء .. الواقع في نهاية الخط .. وصل الباص الى الموقف المطلوب ... ترجل حسام ..وهو لايزال ممسكا بنقوده كما تمسك الشرطة بمتهم تمت إدانته بزعزعة الأمن والأمان .. وصل إلى مكتبه .. ألقى تحية الصباح على زملائه وهو يستنشق رائحة القهوة التي صنعها أبو محمود ...حاول ( فرمتة ) دماغه المثقل بآلاف النقائض .. جلس وراء الطاولة على كرسيه الدوار .. وفجأة ..جاءه صوت أحد الزملاء من نهاية القاعة يزغرد قائلا : جاء الراتب .. فأخرج يده من جيبه وأمسك بفنجانه ورشف رشفة فظة ... تنبه لها الحاضرون بحنق ...ثم أخفض بصره خجلا .. وابتسم ابتسامة الفرج ... ولاح في مخيلته صورة زوجته وهي تحمل ورقة كتبت عليها رزمة من المتطلبات التي من شأنها أن تنهش فرحته المؤقتة..
فادية حسون
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق